أكد خبراء طبيون أن موافقة دولة الإمارات على علاج فموي جديد للسمنة تعكس تحولاً كبيراً في الطريقة التي يتم بها التعامل مع السمنة عالمياً، إذ لم تعد تُعتبر مجرد مشكلة نمط حياة، بل مرضاً مزمناً يتطلب رعاية طبية طويلة الأمد، وتدخلاً مبكراً، وسرعة في الوصول إلى العلاجات المبتكرة.
وقد وافست مؤسسة الإمارات للدواء على العلاج الفموي للسمنة «فوندابيو» (أورفورغليبرون)، لتصبح الإمارات ثاني دولة في العالم تعتمد هذا الدواء.
ويُؤخذ العلاج مرة واحدة يومياً عبر الفم لإدارة الوزن بشكل مزمن، ويُعد فئة جديدة من علاجات السمنة التي لا تتطلب الحقن. ويأتي هذا الاعتماد في وقت تشهد فيه معدلات السمنة ارتفاعاً متواصلاً حول العالم.
وأشارت دراسة عالمية نُشرت في مجلة The Lancet إلى أن السمنة تُعد من أسرع التحديات الصحية المزمنة نمواً عالمياً، وترتبط بزيادة معدلات السكري وأمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة.
مرونة تنظيمية إماراتية ونظام ابتكار متقدم
وقال الدكتور منيـش مدناني، رئيس القسم الجراحي واستشاري جراحة الجهاز الهضمي في مستشفى أن أم سي التخصصي – دبي، إن كون الإمارات من أوائل الدول التي تعتمد هذا العلاج يعكس قوة منظومة الرعاية الصحية والابتكار الدوائي في الدولة.
وأوضح أن ذلك «يعكس استراتيجية واضحة لبناء نظام صحي لا ينتظر بقية العالم ليلحق به»، مشيراً إلى أن سرعة الموافقات التنظيمية مع الحفاظ على معايير السلامة تعزز مكانة الإمارات كشريك عالمي مهم في قطاع الصحة والصناعات الدوائية.
وأضاف: «عندما تعطي الجهات التنظيمية الأولوية للسرعة دون التنازل عن معايير السلامة، فهذا يرسل رسالة قوية لشركات الأدوية العالمية بأن الإمارات شريك جاد، وهذا يعزز جلب المزيد من الابتكار وخيارات علاجية أفضل للمرضى».
ومن جانبه، قال الدكتور عادل أحمد النجار، استشاري الغدد الصماء وإدارة السمنة في مستشفى ميدكير الشارقة، إن هذا القرار يعكس مرونة المنظومة التنظيمية في الإمارات واستعدادها لتبني العلاجات عالية التأثير بسرعة لصالح المرضى.
وشدد الخبيران على أن الاعتراف بالسمنة كمرض مزمن يمثل أحد أهم التحولات في إدارة السمنة الحديثة.
وقال الدكتور مدناني: «لفترة طويلة كانت السمنة تُعامل كخيار نمط حياة، لكن الاعتراف بها كمرض مزمن يغيّر كل شيء».
وأوضح أن هذا التحول ينعكس على طريقة العلاج وتوزيع الموارد الصحية ونظرة المرضى لأنفسهم.
وأضاف: «المرضى يستحقون دعماً طبياً طويل الأمد ومنظماً مثل مرضى السكري أو ارتفاع ضغط الدم، كما أن الناس يكونون أكثر استعداداً لطلب المساعدة عندما لا يتم الحكم عليهم».
كما أكد الدكتور النجار أن هذا الاعتراف يساعد على تقليل الوصمة الاجتماعية ويشجع على التدخل المبكر وخطط العلاج الشخصية والمتابعة المستمرة.
سهولة الاستخدام: حبة واحدة يومياً
ويمثل العلاج الجديد تطوراً مهماً لأنه يُؤخذ عن طريق الفم بدلاً من الحقن، ما قد يحسن التزام المرضى بالعلاج على المدى الطويل.
وقال الدكتور مدناني: «الفرق الأساسي هو سهولة الاستخدام. فوندابيو يُؤخذ مرة يومياً، بينما علاجات GLP-1 الحالية تعتمد على الحقن، وهو ما يجد بعض المرضى صعوبة في الاستمرار فيه».
وأشار إلى أن بعض المرضى يخشون الإبر، فيما يجد آخرون صعوبة في الالتزام بنظام الحقن الذاتي لفترات طويلة، بينما قد تكون العلاجات الفموية أكثر قبولاً وأسهل في الاستخدام اليومي.
نهج متعدد التخصصات
وشدد الأطباء على أن الدواء وحده ليس حلاً مستقلاً لعلاج السمنة.
وقال الدكتور مدناني: «الدواء أصبح جزءاً أكبر من الخطة العلاجية، لكنه ليس الحل الكامل، فهو يعمل بشكل أفضل عند دمجه مع النظام الغذائي والنشاط البدني والدعم السلوكي».
وأضاف أن علاج السمنة يشبه إدارة ضغط الدم، حيث تمثل الأدوية جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد.
وقال الدكتور النجار أيضاً إن النجاح طويل المدى يعتمد على نهج متكامل يشمل التغذية والرياضة والدعم السلوكي والمتابعة الطبية المنتظمة.
وأكد الخبراء أهمية إتاحة الوصول المبكر للعلاجات المبتكرة قبل تطور المضاعفات.
وأشار الدكتور مدناني إلى أن السمنة ترتبط بأكثر من 200 مرض، بما في ذلك السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم و13 نوعاً من السرطان.
فوائد صحية واقتصادية
وأظهر تقرير حديث في الإمارات بعنوان «ما وراء السطح: التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية الخفية لفقدان الوزن» أن التدخلات المبتكرة يمكن أن تساعد أكثر من 1.2 مليون شخص على التغلب على السمنة، وتضيف 51 مليار دولار للناتج المحلي بحلول عام 2031، وتوفر 1.5 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية.
وأوضح التقرير، الذي أُطلق بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والسياحة، أن معدلات السمنة يمكن أن تنخفض بنحو 15 نقطة مئوية، مع توفير مليارات الدولارات في قطاع الصحة.
كما قد تؤدي هذه التدخلات إلى 75 ألف ولادة إضافية بحلول عام 2031، وارتفاع مشاركة القوى العاملة بنحو 17 ألف شخص، بما في ذلك أكثر من 9 آلاف امرأة إماراتية، ما يعزز الترابط بين الصحة العامة والاستدامة الاقتصادية والديموغرافية.
الإمارات مركز للتميز الطبي
وأكد الخبراء أن تسريع اعتماد العلاجات المبتكرة يعزز مكانة الإمارات كمركز إقليمي للتميز الطبي.
وقال الدكتور مدناني إن التبني المبكر يفيد المرضى والأطباء والنظام الصحي بشكل عام.
وأضاف الدكتور النجار أن هذا النهج يعزز سمعة الدولة كمركز للابتكار الطبي ويجذب الاستثمارات والشراكات العالمية، مؤكداً أن «الإمارات قادرة على توفير أحدث العلاجات للمرضى قبل العديد من الأسواق العالمية».